القرطبي

148

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثالثة - وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن طلاق العبد بيد سيده ، وعلى أن بيع الأمة طلاقها ، معولا على قوله تعالى : " لا يقدر على شئ " . قال : فظاهره يفيد أنه لا يقدر على شئ أصلا ، لا على الملك ولا على غيره فهو على عمومه ، إلا أن يدل دليل على خلافه . وفيما ذكرناه عن ابن عمر وابن عباس ما يدل على التخصيص . والله تعالى أعلم . والرابعة - قال أبو منصور في عقيدته ( 1 ) : الرزق ما وقع الاغتذاء به . وهذه الآية ترد هذا التخصيص ، وكذلك قوله تعالى : " ومما رزقناهم ينفقون ( 2 ) " . و " أنفقوا ( 3 ) مما رزقناكم " وغير ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم : " جعل رزقي تحت ظل رمحي " وقوله : " أرزاق أمتي في سنابك خيلها وأسنة رماحها " . فالغنيمة كلها رزق ، وكل ما صح به الانتفاع فهو رزق ، وهو مراتب : أعلاها ما يغذى . وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه الانتفاع في قوله : " يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت " . وفى معنى اللباس يدخل الركوب وغير ذلك . وفى ألسنة المحدثين : السماع رزق ، يعنون سماع الحديث ، وهو صحيح . الخامسة - قوله تعالى : ( ومن رزقناه منا رزقا حسنا ) هو المؤمن ، يطيع الله في نفسه وماله . والكافر ما لم ينفق في الطاعة صار كالعبد الذي لا يملك شيئا . " هل يستوون " أي لا يستوون ، ولم يقل يستويان لمكان " من " لأنه اسم مبهم يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث . وقيل : " إن عبدا مملوكا " ، " ومن رزقناه " أريد بهما الشيوع في الجنس . ( الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ) أي هو مستحق للحمد دون ما يعبدون من دونه ، إذ لا نعمة للأصنام عليهم من يد ولا معروف فتحمد عليه ، إنما الحمد الكامل لله ، لأنه المنعم الخالق . " بل أكثرهم " أي أكثر المشركين . " لا يعلمون " أن الحمد لي ، وجميع النعمة منى . وذكر الأكثر وهو يريد الجميع ، فهو خاص أريد به التعميم . وقيل : أي بل أكثر الخلق لا يعلمون ، وذلك أن أكثرهم المشركون .

--> ( 1 ) العقيدة : اسم كتاب لأبي منصور الماتريدي ، وهو محمد بن محمد بن محمود مات بسمرقند سنة 333 ه‍ . راجع كشف الظنون وتاج التراجم في زبقات الحنيفة . ( 2 ) راجع ج 1 ص 177 .